فخر الدين الرازي
89
تفسير الرازي
المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر * ( فدية ) * بغير تنوين * ( طعام ) * بالكسر مضافاً إليه * ( مساكين ) * جمعا ، والباقون * ( فدية ) * منونة * ( طعام ) * بالرفع * ( مسكين ) * مخفوض ، أما القراءة الأولى ففيها بحثان الأول : أنه ما معنى إضافة فدية إلى طعام ؟ فنقول فيه وجهان : أحدهما : أن الفدية لها ذات وصفتها أنها طعام ، فهذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة ، كقولهم : مسجد الجامع وبقلة الحمقاء والثاني : قال الواحدي : الفدية اسم للقدر الواجب ، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها ، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى * ( من ) * كقولك : ثوب خز وخاتم حديد ، والمعنى : ثوب من خز وخاتم من حديد ، فكذا ههنا التقدير : فدية من طعام فأضيفت الفدية إلى الطعام مع أنك تطلق على الفدية اسم الطعام . البحث الثاني : أن في هذه القراءة جمعوا المساكين لأن الذين يطيقونه جماعة ، وكل واحد منهم يلزمه مسكين ، وأما القراءة الثانية وهي * ( فدية ) * بالتنوين فجعلوا ما بعده مفسراً له ووحدوا المسكين لأن المعنى على كل واحد لكل يوم طعام مسكين . المسألة الثانية : الفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم على الشيء وعند أبي حنيفة أنه نصف صاع من بر أو صاع من غيره ، وهو مدان وعند الشافعي مد . المسألة الثالثة : احتج الجبائي بقوله تعالى : * ( وعلى الذين يطيقونه فدية ) * على أن الاستطاعة قبل الفعل فقال : الضمير في قوله : * ( وعلى الذين يطيقونه ) * عائد إلى الصوم فأثبت القدرة على الصوم حال عدم الصوم ، لأنه أوجب عليه الفدية ، وإنما يجب عليه الفدية إذا لم يصم ، فدل هذا على أن القدرة على الصوم حاصلة قبل حصول الصوم . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون الضمير عائد إلى الفدية ؟ قلنا لوجهين أحدهما : أن الفدية غير مذكورة من قبل فكيف يرجع الضمير إليها والثاني : أن الضمير مذكر والفدية مؤنثة ، فإن قيل : هذه الآية منسوخة فكيف يجوز الاستدلال بها قلنا : كانت قبل أن صارت منسوخة دالة على أن القدرة حاصلة قبل الفعل ، والحقائق لا تتغير . أما قوله تعالى : * ( فمن تطوع خيراً فهو خير له ) * ففيه ثلاثة أوجه أحدها : أن يطعم مسكيناً أو أكثر والثاني : أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب والثالث : قال الزهري : من صام مع الفدية فهو خير له . أما قوله : * ( وأن تصوموا خير لكم ) * ففيه وجوه أحدها : أن يكون هذا خطاباً مع الذين يطيقونه فقط ، فيكون التقدير : وأن تصوموا أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتم المشقة فهو